بعد “الخضوع” للهجمات الصاروخية جيروزاليم بوست: هل سيكون لقرار منع اليهود من دخول الأقصى تبعات على حكومة نتنياهو؟

بعد هجمات صاروخية نادرة من جنوب لبنان وسوريا باتجاه إسرائيل، تزامناً مع أخرى انطلقت من غزة بعد التصعيد الإسرائيلي في الحرم القدسي والاعتداء على المصلين الأسبوع الماضي، كان قرار حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الصمت و”الخضوع”، كما تصف ذلك صحيفة The Jerusalem Post الإسرائيلية، وفضلت الحكومة التي يقف على رأسها إلى جانب نتنياهو كل من بن غفير وسموتريتش عدم الرد، وهو ما كان مفاجئاً لجمهور اليمين المتطرف في دولة الاحتلال.

وتقول جروزاليم بوست إن الجناح اليميني المتطرف في الحكومة الإسرائيلية اليمينية، المتمثل في “الحزب الصهيوني” وعوتسما يهوديت “قوة يهودية” يعاني من مشكلة. ففي العام الماضي، انتقد هذان الحزبان باستمرار حكومة بينيت-لابيد لضعفها الأمني ​​وخضوعها لسيطرة ما وصفوها بـ”الجماعات الإسلامية”. 

لكن إذا كانت أيدي الحكومة السابقة مقيدة و”لم تستطِع التعامل بفاعلية مع الفلسطينيين”، فما مشكلة الحكومة الحالية، التي كانت ردود فعلها على الهجمات والصواريخ من غزة ولبنان وسوريا ضعيفة، على الرغم من أنَّ أيديها مطلقة على عكس سابقتها؟

 

هل سيكون لقرار منع اليهود من دخول الأقصى حتى نهاية رمضان تبعات على حكومة نتنياهو؟
تكررت هذه المشكلة يوم الثلاثاء 11 أبريل/نيسان 2023، إذ أعلن رئيس الوزراء نتنياهو عن قراره بمنع دخول اليهود إلى الحرم القدسي حتى نهاية شهر رمضان يوم الجمعة المقبل، 21 أبريل/نيسان. وانتقد الحزب الديني الصهيوني وعوتسما يهوديت الحكومة السابقة لاتخاذها قراراً مماثلاً العام الماضي؛ لكن ماذا سيفعلان الآن؟

تقول الصحيفة الإسرائيلية إن رد فعل كل حزب على قرار نتنياهو الأخير جاء مختلفاً عن الآخر، فقد أعرب زعيم عوتسما يهوديت ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يوم الثلاثاء 11 أبريل/نيسان، عن خيبة أمله وانتقد نتنياهو في بيان.

وكتب بن غفير أنَّ “القرار كان خطأ فادحاً لن يجلب الهدوء، بل سيؤدي فقط إلى تدهور الوضع”؛ لأنه سيقلل من وجود الشرطة الإسرائيلية في الموقع وبالتالي يخلق “أرضاً خصبة لتجمعات تحريض عملاقة على قتل اليهود، وحتى سيناريو إلقاء الحجارة على المصلين اليهود في الحرم القدسي”، حسب وصفه.

في حين جاء القرار بعد أن أوصى الجيش الإسرائيلي والموساد (هيئة الاستخبارات والمهمات الخاصة) والشين بيت (جهاز الأمن العام) والشرطة الإسرائيلية بأن يظل الموقع مغلقاً، قال بن غفير في وقت سابق من هذا الأسبوع إنَّ “مسؤولًا أمنياً كبيراً للغاية” يتفق معه. وعلى أي حال، قوبل رأي كليهما بالتجاهل.

ونقل موقع Ynet العبري عن مصادر مقربة من بن غفير قولها، يوم الخميس 13 أبريل/نيسان، إنه غاضب أيضاً مما زعم أنها ردود “ناعمة” على الهجمات الصاروخية من غزة ولبنان، لكن على الرغم من عدم رضاه عن قرارات نتنياهو، فإنه لا ينوي إطاحة الحكومة ولا تركها.

ويتوقع الكثيرون أن يكون بن غفير، الذي يُعتبَر “المدفع الطليق” للحكومة، هو الشخص الذي سيُسقِطها في نهاية المطاف؛ من أجل خوض الانتخابات المقبلة من جهة المعارضة.

ولوَّح وزير الأمن القومي مهدداً بالانسحاب من الحكومة في اليوم الذي أعلن فيه نتنياهو عن تجميد التشريعات الخاصة بإصلاحاته القضائية المثيرة للجدل في 27 مارس/آذار، ووافق بن غفير على البقاء بعد أن التزم رئيس الوزراء بتشكيل لجنة لبحث تشكيل الحرس الوطني.

بن غفير يتعهد بتشكيل الحرس الوطني
كرر بن غفير هذا التعهد عدة مرات منذ ذلك الحين، في ما يُرجَّح أنها محاولة للإثبات لناخبيه أنه يتصرف وفقاً لوعوده في حملته الانتخابية بضمان السلامة الشخصية في جميع أنحاء البلاد. وجاءت أحدث إشارة من وزير الأمن القومي إلى ذلك خلال مسيرة إلى بؤرة أفيتار الاستيطانية غير القانونية، يوم الإثنين 10 أبريل/نيسان، الأمر الذي أثار انتقادات من المعارضة بعدما خصص الجيش الإسرائيلي كتيبة لحراسة المسيرة. وقال إنَّ الحرس الوطني يمكن أن يقدم حلولاً في مثل هذه الحالات؛ مما يترك للجيش الإسرائيلي الحرية في ملاحقة المسلحين الفلسطينيين.

ويبدو أنَّ الوعد بتشكيل “الحرس الوطني” قد استرضى بن غفير في الوقت الحالي؛ لدرجة أنَّ القضايا الأخرى المهمة له -مثل “الصعود” إلى الحرم القدسي- دفعته إلى الاكتفاء بإصدار بيان عام ينتقد رئيس الوزراء، دون فعل المزيد، كما تقول صحيفة جروزاليم بوست.

من ناحية أخرى، التزم وزراء الحزب الديني الصهيوني -وخاصة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير البعثات الوطنية أوريت شتروك- الصمت على خلاف المعهود منهما. ومن المحتمل أنَّ هذا يرجع لإدراك الاثنين النتائج العكسية المحتملة لانتقاد حكومة ينتميان إليها بسبب موقفها من الأمن وخاصة سموتريتش.

ونوه بعض أعضاء تحالف يمينا (تحالف لمجموعة أحزاب يمينية متطرفة) السابق بهذا الأمر، الذين تلقوا انتقادات لاذعة من سموتريتش وآخرين لاتخاذ نفس القرار العام الماضي فيما يتعلق بالأيام العشرة الأخيرة من رمضان في الحرم القدسي الشريف.

على سبيل المثال، استفز عضو الكنيست عن “الوحدة الوطنية” ماتان كاهانا زعيم حزب الديني الصهيوني، مشيراً إلى تصريح أدلى به سموتريتش بنفسه في عام 2022، الذي قال فيه “إنَّ إغلاق الحرم القدسي أمام اليهود حتى نهاية شهر رمضان هو [قرار] أمني ودبلوماسي أحمق يمثل اعترافاً فعلياً بالكذبة العربية وكأنَّ اليهود هم المسؤولون عن التدهور الحالي”، حسب تعبيره.

بدورها، استفزت وزيرة الداخلية السابقة وعضوة الكنيست أييليت شاكيد، من تحالف يمينا أيضاً، سموتريتش، الذي كتب العام الماضي: “كانت هناك أوقات أدركت فيها شاكيد جيداً أنَّ الاستسلام للإرهاب في الحرم القدسي أمر خطير”.

بن غفير وسموترتش لا يريدان تعريض حكومة نتنياهو للخطر
بذل سموتريتش، وخاصة شتروك، جهوداً إضافية في المقابلات الإعلامية ومنشورات الشبكات الاجتماعية في وقت سابق من هذا الشهر لتحقيق توازن بين تحمل المسؤولية عن التدهور الأمني ​​من ناحية، وشرح سبب حدوث ذلك تحت مراقبتهم وماذا كانوا يفعلون من أجل إيقافه، من ناحية أخرى.

لذلك فإنَّ صمتهما بشأن قرار الحرم القدسي يشير إلى أنهما ربما يعيدان تقييم استراتيجيتهما. ولن تكون مفاجأة إذا تحول الاثنان إلى نهج أقرب إلى بن غفير؛ أي دعم نتنياهو في القرارات الأمنية فقط مقابل تنازلات سياسية، كما تقول صحيفة جيروزاليم بوست.

مع ذلك، لا يبدو أنَّ حزب “عوتسما يهوديت” ولا الحزب الديني الصهيوني قريبان من تعريض الحكومة للخطر. عرض مراسل ومحلل الشرق الأوسط والإسلام والشؤون العربية إيهود يعاري الأمر بإيجاز في حلقة نقاشية في القناة 12 الأسبوع الماضي؛ قائلاً: عندما يصل شخص ما إلى الحكومة، يصبح مقعده لاصقاً، وقد يستغرق الكثير جداً لمغادرته.

حكومة نتنياهو تحاصر نفسها داخلياً وخارجياً
ومنذ أدائها اليمين القانونية في 29 ديسمبر/كانون الأول 2022 دخلت حكومة نتنياهو في 5 أزمات متتالية أكثرها حدة داخلياً بعد إصرارها على ما تسميها “الإصلاحات القضائية”.

وكذلك خرجت الأزمة الشخصية بين نتنياهو والرئيس الأمريكي جو بايدن إلى العلن، برفض الأخير استقبال الأول بالبيت الأبيض قريباً، فيما تراجعت آمال الأول بمواصلة تطبيعه مع دول عربية إثر مواقف وزيره للأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ضد الفلسطينيين.

وتدهورت الأوضاع الميدانية إثر اقتحامات الشرطة الإسرائيلية للمسجد الأٌقصى والاعتداء على المصلين في شهر رمضان الجاري، فيما خالف الاتحاد الأوروبي نتنياهو الموقف بشأن حل الدولتين والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

وألقى تحذير ضباط في الاحتياط الإسرائيلي بينهم في سلاح الجو والاستخبارات، بظلاله على ما تسميه إسرائيل “سياسة الردع”، دون أن يتمكن نتنياهو من تحقيق أي اختراق في الملف النووي الإيراني.

إزاء ذلك كله فقد فضل نتنياهو إلقاء اللوم على المعارضة الإسرائيلية التي كانت هي نفسها تقود الحكومة السابقة، ففي مؤتمر صحفي عقده مساء الإثنين 10 أبريل/نيسان 2023، قال نتنياهو: “بلدنا يتعرض لهجوم وهو لم يبدأ الآن، ففي عيد الفصح السابق حدث استفزاز مماثل في الحرم القدسي العام الماضي، وفي ظل الحكومة السابقة تضاعف عدد الهجمات العدائية”.

وكان دفع الحكومة بتشريعات لتقليص نفوذ المحكمة العليا الإسرائيلية، فجر موجة احتجاجات بدأت في الشارع الإسرائيلي منذ 14 أسبوعاً ولا يلوح في الأفق ما يشير إلى انتهائها قريباً.

وقبل نتنياهو مرغماً تعليق التشريعات في الكنيست إلى ما بعد الأعياد اليهودية الشهر المقبل، وأعطى الضوء الأخضر لمفاوضات مع المعارضة برعاية الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

وكتعبير عن عدم تصديقها بوجود نوايا حقيقية لديه للتراجع، فقد واصلت المعارضة الإسرائيلية احتجاجاتها الكبيرة حتى في ظل حوار الرئيس. وتسود مخاوف من أزمة دستورية في البلاد حال عدم التوصل إلى حل وسطٍ مقبولٍ من الحكومة والمعارضة.